محمد اركون ( تعريب : هاشم صالح )

89

القرآن من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني

فترة توسّعه وازدهاره كان الإسلام قد استوعب مكتسبات اليونان ، وحضارة وادي الرافدين ، وإيران ، والهند . وأما الغرب ، فعلى العكس ، كانت نظرته إلى الإسلام في الغالب عدائية أكثر من اللزوم . وهذه الحالة تعبّر عن تعسّف واعتباطية العقل الغربي المهيمن . ويبدو أن الهجمات النقدية التي يتعرّض لها هذا العقل من الداخل ، وكذلك التحليلات التفكيكية التي تتركز عليه ، لم تؤثّر في هذه الاعتباطية أو لم تنل منها . في الصراعات الفوضوية الجارية حاليا ، بقي علينا أن نموضع الدور الذي يلعبه الفكر اليهودي فيها . وكنت قد سكتّ عنه حتى الآن . ولم يكن هذا السكوت من قبيل الإهمال ، وإنما من قبيل الحيطة والحذر . في الواقع ، إنه من الصعب أن نقيس حجم التفاوت الكائن بين تضامن إسرائيل السياسي مع العقل الغربي المهيمن ، وبين الجهود التي يبذلها الفكر اليهودي من أجل المحافظة على استقلاليته بالقياس إلى الغرب . وهذا ما بموضعه بالأحرى في جهة الفكر الإسلامي . غير أن رهانات تاريخنا لا تنحصر ، طبعا ، بالعالم التوحيدي والغرب العلماني . ذلك لأن هذين العالمين كليهما ينبغي أن يصغيا إلى التعاليم الآتية من جهة آسيا وإفريقيا . وهنا نلتقي بالإرادات التبشرية للقوى العظمى المتولدة عن الديانة التوحيدية . فالإسلام التابع والمهيمن عليه من قبل الغرب ، يصبح في إفريقيا وآسيا تماما كالمسيحية . فهو ينافسها هناك على اكتساب المواقع الجديدة أو المعتنقين الجدد . وهنا نجد أنفسنا أمام تعقيدات جديدة لا تزال تنتظر من يدرسها بشكل جيد ويحلّلها بشكل دقيق وصحيح ، ولا نزال بشكل أخصّ ننتظر تشكّل نظام عالمي جديد مؤسّس على تعاليم أخلاقية مقبولة من ، جانب جميع الشعوب وليس فقط من جانب الأنظمة السياسية أو الدول . وهذا ما يحيلنا مرة أخرى إلى الوظيفة النبوية التي نعرف أن شروط ممارستها لم تعد متوافرة الآن . ربما كان ينبغي أن نعمّق التحليل النقدي أكثر ليس فقط في ما يخصّ الظاهرة الدينية ، وإنما في ما يتعلق أيضا بكل التركيبات الثقافية والتشكيلات المؤسساتية التي تقوم بها الروح البشرية . وما كانوا قد اتفقوا على تسميته بالروح « الحديثة » راح يحلّ محل الأديان التقليدية من أجل ترسيخ الفكرة القائلة بأن الإنسان مؤهّل لتحقيق التقدم ، والخير ، وفهم الأشياء والسيطرة عليها ، وإقامة العدالة على هذه الأرض ، ونشر المعرفة بالإنسان عن طريق الإنسان . ونلاحظ أن ايديولوجيا حقوق الإنسان تنشر في كل مكان ( على غرار الأديان سابقا ) ذلك اليقين القائل بكونية الفتوحات العلمية ، والسياسية ، والاقتصادية . هذه الفتوحات التي كان لأوروبا الغربية امتياز تحقيقها لأول مرة في التاريخ . ولكننا نعلم أن قابيل قتل أخاه هابيل وأعلن منذ ذلك الزمان أنه « لا توجد عدالة ، ولا قضاة » . في الواقع ، إن علماء الاجتماع والانتربولوجيا يفضّلون دراسة المجتمعات البشرية بصفتها أنظمة قائمة على التفاوت وعدم المساواة . ولكن التشريعات القانونية تحاول ، هنا